ابو القاسم عبد الكريم القشيري

79

لطائف الإشارات

قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) السجود لا يكون عبادة لعينه « 1 » ولكن لموافقة أمره سبحانه ، فكأن سجودهم لآدم عبادة للّه ؛ لأنه كان بأمره ، وتعظيما لآدم لأنه أمرهم به تشريفا لشأنه ، فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة ، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحّ لغيره سبحانه . ويقال بيّن أن تقدّسه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم ، وأن التجمّل بتقديسهم وتسبيحهم عائد إليهم ، فهو الذي يجل من أجلّه بإجلاله لا بأفعالهم ، ويعز من أعزّ قدره سبحانه بإعزازه ، جلّ عن إجلال الخلق قدره ، وعزّ عن إعزاز الخلق ذكره . قوله تعالى : « فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ » أبى بقلبه ، واستكبر عن السجود بنفسه ، وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه . ولقد كان إبليس مدة في دلال طاعته يختال في صدار موافقته ، سلّموا له رتبة التقدم ، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص ، فصار أمره كما قيل : وكان سراج الوصل أزهر بيننا * فهبّت به ريح من البين فانطفا كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية ، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية : فبات بخير والدنى « 2 » مطمئنة * وأصبح يوما والزمان تقلبا فلا سالف طاعة نفعه ، ولا آنف رجعة رفعه ، ولا شفاعة شفيع أدركته ، ولا سابق عناية أمسكته . ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء . ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية ، فتداركته رحمة أحدية ، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية ، وغلبته قسمة وقضية . خاب رجاؤه ، وضلّ عناؤه .

--> ( 1 ) الضمير عائد على آدم أي ليس السجود لآدم عينه ، ويحتمل أنها ( لغيره ) بدليل قوله فيما بعد ( وذلك لا يصح لغيره سبحانه ) ( 2 ) وردت ( والزمان ) وقد صححنا البيت طبقا لما ورد في عيون الأخبار لابن قتيبة .